سلّط الكاتب محمود حسن الضوء على تصاعد الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون في مصر، في ظل الاعتداءات والاعتقالات والملاحقات الأمنية التي تستهدف العاملين في المؤسسات الإعلامية المستقلة. وأعاد الاعتداء على الصحفي محمد فيصل، الذي تعرض للضرب والجر على الأرض خارج مستشفى 6 أكتوبر المركزي غرب القاهرة قبل أيام، تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه الصحفيين أثناء أداء عملهم.


وفي مقال رأي نشره موقع «ميدل إيست مونيتور»، تناول محمود حسن ما وصفه باستمرار اضطهاد الصحفيين في مصر، مستعرضًا اعتقال فريق التحرير الكامل لمنصة «متصدقش» الاستقصائية، والاتهامات التي وجهها صحفيون محتجزون بشأن تعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة، إلى جانب القيود الأوسع المفروضة على حرية الصحافة منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في 3 يوليو 2013.
 

 

الاعتداء على الصحفيين واتهامات بالتعذيب داخل مقار الاحتجاز


أظهر مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي نحو سبعة أشخاص يضربون الصحفي محمد فيصل ويجرونه على الأرض، قبل احتجازه داخل المستشفى أثناء تغطيته الصحفية. وادعى أحد المعتدين أنه «ضابط بالجيش»، في واقعة اعتبرها المقال انعكاسًا لاتساع نطاق التضييق الأمني على المصريين، ولا سيما الصحفيين.


ويعمل فيصل لدى موقع «بصراحة» الإخباري المرخص من الحكومة، وقدّم له وزير الصحة خالد عبد الغفار اعتذارًا علنيًا، كما قرر إنهاء التعاقد مع شركة الأمن المسؤولة عن الواقعة. لكن الحادث أعاد إلى الواجهة مخاوف قديمة بشأن سلامة الصحفيين وقدرتهم على أداء عملهم بحرية.


وجاء الاعتداء بعد أيام قليلة من مطالبة صحفيين في منصة «متصدقش»، المتخصصة في التحقق من المعلومات بصورة مستقلة، بإجراء فحوص طبية لهم، بعدما قالوا إنهم تعرضوا للتعذيب والصعق بالكهرباء بهدف انتزاع اعترافات منهم. ونفت النيابة العامة المصرية هذه الادعاءات لاحقًا.


وفي مساء يومي 28 و29 سبتمبر، اعتقلت قوات الأمن المصرية فريق التحرير بالكامل في المنصة، وصادرت الهواتف وأجهزة الكمبيوتر من منازل الصحفيين، دون الكشف عن أماكن احتجازهم. كما حُرموا من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، وفقًا للجنة حماية الصحفيين، وهي منظمة دولية مستقلة مقرها نيويورك.


وضمت قائمة الصحفيين المحتجزين عبد الله قدري، ومحمد أشرف أبو عميرة، وإسلام بركات، ومحمد عادل، وعمر هلال، ومحمد محمود. وقال الصحفيون خلال التحقيقات إنهم تعرضوا للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة لإجبارهم على تسجيل مقاطع فيديو تتضمن اعترافات تدينهم، أثناء احتجازهم لدى جهاز الأمن الوطني.


وأُحيل الصحفيون لاحقًا إلى نيابة أمن الدولة العليا، التي قررت حبسهم احتياطيًا لمدة 15 يومًا على ذمة القضية رقم 8083 لسنة 2026، بحسب منظمة العفو الدولية.

وقال مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في بيان، إن تعذيب الصحفيين وإساءة معاملتهم وإخفاءهم قسرًا يعكس نمطًا متكررًا وممارسة تكاد تكون مستقرة لدى الأجهزة الأمنية في تعاملها مع المعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين المحتجزين.

 


استهداف ممنهج وقيود متزايدة على حرية الصحافة


أعادت واقعتا الاعتداء على فيصل واعتقال فريق «متصدقش» تسليط الضوء على أوضاع حرية الصحافة في مصر، وأثارتا غضبًا في أوساط الصحفيين داخل البلاد وخارجها. وفي بيانين منفصلين، وصفت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين المصريين الاعتداء على صحفي أثناء أداء واجبه المهني بأنه جريمة يعاقب عليها القانون وانتهاك لحق الجمهور في المعرفة، كما اعتبرت اعتقال صحفيي «متصدقش» مخالفة للقانون والدستور.


وقالت إيمان عوف، رئيسة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، إن اعتقال مزيد من الصحفيين، في وقت لا يزال فيه آخرون خلف القضبان لسنوات، يعكس «استخفافًا صارخًا بالقانون والدستور، واستمرارًا لسياسة استهداف الصحفيين».


وبحسب لجنة حماية الصحفيين، بلغ عدد الصحفيين المسجونين أو المحتجزين في مصر 25 صحفيًا، وسط مخاوف من اعتقال المزيد خلال الفترة المقبلة.


وتواجه لينا عطا الله، رئيسة تحرير موقع «مدى مصر» المستقل، مستقبلًا غير واضح، إذ كان مقررًا أن تمثل للمحاكمة في 27 أكتوبر بتهمة إنشاء وإدارة منصة إلكترونية دون ترخيص. وتحمل القضية رقم 9072 لسنة 2026 لدى نيابة أمن الدولة العليا.


وغالبًا ما يواجه الصحفيون في مصر اتهامات ذات طابع سياسي، من بينها الانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتلقي تمويل أجنبي، وتسليط الضوء على أوجه القصور داخل مؤسسات الدولة.


ونقل المقال عن مصدر أمني، تحدث إلى «ميدل إيست مونيتور» شريطة عدم الكشف عن هويته، قوله إن السيسي أعطى وزير الداخلية «الضوء الأخضر» لاعتقال جميع صحفيي «متصدقش». وأضاف المصدر أن الخطوة جاءت بعد شكوى طُرحت خلال اجتماع عُقد الشهر الماضي مع رؤساء المدن وممثلي القرى بشأن تقارير نشرتها المنصة الاستقصائية وشككت في مصداقية مؤسسات الدولة.


وخلال 13 عامًا في السلطة، لم يزر السيسي رسميًا مقر نقابة الصحفيين في وسط القاهرة. كما شهدت فترة رئاسته اقتحام قوات الأمن مقر النقابة في الأول من مايو 2016، في واقعة غير مسبوقة عُرفت باسم «الأحد الأسود».


وفي 4 مايو 2016، عقد الصحفيون جمعية عمومية طارئة في مقر نقابتهم، وطالبوا بإقالة وزير الداخلية آنذاك مجدي عبد الغفار، ونشر صورته بصورة سلبية، وتقديم السيسي اعتذارًا، والإفراج عن الصحفيين المحتجزين بسبب عملهم.


وانتُخب خالد البلشي، وهو شخصية معارضة يسارية، نقيبًا للصحفيين في 2023، لكنه لم يلتقِ السيسي رسميًا حتى الآن، خلافًا لمن سبقوه من النقباء الذين اعتادوا لقاء الرئيس. ويرى المقال أن ذلك يعكس تصاعد التوتر بين مؤسسة الرئاسة والجماعة الصحفية في مصر.


وقبل أيام، أكد البلشي أن النقابة ستواصل المطالبة باحترام سيادة القانون والضمانات الدستورية لحرية الصحافة والنشر، متعهدًا بالدفاع عن جميع الصحفيين، سواء كانوا أعضاء في النقابة أم لا.

 


ملاحقات مستمرة واتهامات بتضييق المجال الإعلامي المستقل


لا تمثل اعتقالات الصحفيين في سبتمبر، ولا استهداف فريق «متصدقش»، حوادث معزولة، وفقًا للمقال. فقد وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» ما وصفته بـ«اعتقالات ومحاكمات متكررة في مصر تستهدف منتقدين سلميين ومدافعين عن حقوق الإنسان وصحفيين وصناع محتوى على الإنترنت».


وفي 22 يوليو 2024، اعتقلت قوات الأمن المصرية أشرف عمر، رسام الكاريكاتير لدى موقع «المنصة» المستقل. وقالت منظمات حقوقية إنه تعرض للضرب والتهديد بالصعق بالكهرباء.


كما لا يزال الصحفي المصري ياسر أبو العلا محتجزًا منذ مارس 2024. واعتُقلت زوجته نجلاء فتحي وشقيقتها في 27 أبريل من العام نفسه، في واقعة أشار المقال إليها بوصفها مثالًا على استهداف أسر المحتجزين، باعتباره شكلًا من أشكال العقاب الجماعي.


وقال الباحث السياسي عمرو المصري إن الصحافة المستقلة تشكل تهديدًا للنظام العسكري، وقد تتمكن من إسقاطه إذا أُتيحت لها الفرصة. ووصف الصحافة بأنها قوة دافعة للتغيير الاجتماعي بعد وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن الصحفيين من أكثر الفئات جرأة في التعبير عن آرائهم وانتقاد أصحاب السلطة، ما يجعلهم في مقدمة المستهدفين.


وتتسع أشكال التضييق، بحسب المقال، لتشمل الاستدعاءات الأمنية والملاحقات القضائية وحجب الصحف والاستحواذ على المؤسسات الإعلامية وإبعاد الصحفيين المعارضين عن وظائفهم وفرض حظر السفر عليهم، فضلًا عن استبعادهم من المناصب الرسمية وتقييد مصادر دخلهم.


وتشير تقديرات غير رسمية إلى حجب أكثر من 600 موقع إلكتروني في مصر، بينها عشرات المواقع الإخبارية المستقلة ومنصات حقوقية. كما طالت عمليات الحجب صفحات شخصية على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع إلكترونية تُستخدم لتجاوز الرقابة، في إطار ما وصفه المقال بمحاولات أوسع للسيطرة على تدفق المعلومات.


ويربط المقال تصاعد الملاحقات بعمل بعض المنصات الإخبارية التي كشفت، بحسب وصفه، معلومات مضللة في بيانات رسمية خلال مؤتمر «منتدى مصر»، الذي عُقد لاستعراض إنجازات الحكومة. كما أسهمت تغطية هذه المنصات إضرابات عن الطعام نفذها محتجزون في عدد من السجون في تصاعد التوتر معها.


وقال قطب العربي، الأمين العام المساعد السابق للمجلس الأعلى للصحافة، إن هذه المنصات تحدت الرواية الواحدة التي نجح السيسي في فرضها على الحياة العامة المصرية.


ويخلص محمود حسن إلى أن النظام المصري يواجه مأزقًا متزايدًا، معتبرًا أن سجن فريق صحفي كامل لا يعكس بالضرورة القوة، بل قد يشير إلى تزايد هشاشة موقف السلطة أمام مجموعة صغيرة من الصحفيين الذين يواصلون عملهم رغم الضغوط، ويرفضون الاستسلام للملاحقات الأمنية.


وتعكس هذه الوقائع، وفقًا للمقال، استمرار المواجهة بين السلطات والإعلام المستقل في مصر، في ظل مخاوف حقوقية من اتساع نطاق الاعتقالات والقيود المفروضة على حرية التعبير والنشر.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20261027-egypts-regime-persecutes-journalists/